حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
340
شاهنامه ( الشاهنامه )
الانحياز عن قوم كسرناهم ونهبناهم ؟ فلا تخمل ذكرك بانصرافك عنهم . وإن كان قد دخل قلبك شيء من أجل حضور إسفنديار فأنا غدا بين الصفين قرنه ، وسأبارزه وأقتله . فلما سمع أرجاسب هذا منه عاد قلبه اليه وسكن جأشه ، وقال : إن فعلت ذلك فلك الحكم على بلاد توران إلى بحر الصين ، وأجعل إليك قيادة العساكر ، ولا أخرج من أمرك . ووعده ومنّاه وحرضه ثم جعله على عسكره . وباتوا ليلتهم تلك في تعبئة واستعداد . ولما طلعت الشمس نزل إسفنديار من الجبل بعساكره فوقف نسطور في الميمنة ، ووقف أصبهبذ آخر في الميسرة ، ووقف كُشتاسب في القلب ، وتقدّم إسفنديار . وسوّى أيضا أرجاسب صفوفه ورتب جنوده فوقف كُهَرم في ميمنته ، ووقف ملك جِكِل المسمى قاماً في ميسرته . ولما رأى أرجاسب إسفنديار صعد إلى رابية مشرفة ينظر منها إلى المصاف ، وأمر ساربانه بأن يحضر جمازات كثيرة حتى إنه إذا أحس بتوجه غلبة على أصحابه ركبها في خواصه وأقاربه وجنّبوا الخيل واستقبلوا بها طريق الصين . وأما إسفنديار فإنه برز إلى ما بين الصفين كفيل هائج فمحل على القلب وقتل منهم في حملة واحدة ثلاثمائة نفس ، ثم عدل نحو الميمنة فقتل منهم . مائة وستين فارسا ، وفرّ كُهَرم من بين يديه . ثم رجع إلى الميسرة وقتل مائة وخمسة وستين فارسا . فلما رأى أرجاسب ذلك التفت إلى كُركسار وتقاضاه إنجاز ما وعده . فبرز من الصف وأخرج نشابة نصلها فولاذ ، وسدّدها نحو إسفنديار فوقعت من جوشنه في موضع ثغرة صدره فتطامن على سرجه يريهم أن النشابة قد خلصت اليه . فسل ّ كركسار عند ذلك صمصامه وأسرع اليه يريد قتله . فاستوى في سرجه وتطامن ورماه بوهق أنشبه فيه ، وأسره ورماه على وجهه إلى الأرض . ثم جره في التراب وسلمه إلى بعض أصحابه ليحمله إلى حضرة كشتاسب . وأوصى بألا يعاجل بالقتل . ثم زحف بجميع عساكره إلى العدوّ فهزمهم . وفرّ أرجاسب وخواصه وأمراؤه على تلك الجمازات ، وتوجهوا نحو خُلِّخ . وترك جنوده بين أشداق المنون . فأمر إسفنديار أصحابه فوضعوا فيهم السيف حتى امتلأ ما هناك من الفضاء بأشلاء القتلى وجثتهم . فهرب من أمكنه الهرب ، واستأمن الباقون إلى إسفنديار ، تضرعوا اليه وبكوا . فكف عنهم . وانصرف إلى أبيه غريقا في دماء القتلى وقد لزّقت يده على قائمة السيف . فصبوا عليها اللبن الحليب حتى خصلت من مقبض السيف . ثم خلعوا عنه خفتانه ونزعوا منه السهام التي أصابته . ثم اغتسل ولبس ثياب بذلة وعمد هو وأبوه إلى متعبد ، وأقاما فيه أسبوعا يشكران ربهما سبحانه وتعالى على ما أزل ّ اليهما من تلك النعمة .